الشيخ محمد علي طه الدرة

686

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وَاتَّقُوا اللَّهَ . . . إلخ : وعد من اللّه تعالى بأن من اتقاه علّمه ، أي : يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه ، وقد يجعل اللّه في قلبه فرقانا ؛ أي : فيصلا يفصل به بين الحق والباطل ، ومنه قوله تعالى في سورة ( الأنفال ) رقم [ 29 ] : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً . . . إلخ . هذا وكرّر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث ؛ لإدخال الرّوعة في القلوب ، وتربية المهابة في النفوس . فائدة : العلم نوعان : كسبيّ ، ووهبيّ ، أما الأول ؛ فيكون تحصيله بالاجتهاد ، والمثابرة والمذاكرة ، وأما الثاني ؛ فطريقه : تقوى اللّه ، والعمل الصالح ، كما قال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ . وهذا العلم يسمّى العلم اللّدنّي ، قال تعالى في سورة ( الكهف ) رقم [ 66 ] : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً وهو العلم النافع الذي يهبه اللّه لمن يشاء من عباده المتقين ، وإليه أشار الإمام الشّافعي رحمه اللّه تعالى بقوله : [ الوافر ] شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأنّ العلم نور * ونور اللّه لا يهدى لعاصي تنبيه : الآية الكريمة في بيع السّلم ، أو السّلف عبارتان في معنى واحد ، وقد جاء في حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب : السّلم ؛ لأن السّلف يقال على القرض ، والسّلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق ، مستثنى من نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيع ما ليس عندك ، وأرخص صلّى اللّه عليه وسلّم فيه ؛ لأنه لمّا كان بيع معلوم في الذمّة ، كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة واحد من المتبايعين ، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثّمرة ، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبّانها لينفقه عليها ، فظهر : أن بيع السلم من المصالح الحاجيّة ، وقد سمّاه الفقهاء : بيع المحاويج ، وللسّلم شروط متفق عليها ، ومختلف فيها ، وهي تسعة ، ستّة في المسلم فيه ، وثلاثة في رأس مال السّلم . أما الستة التي في المسلم فيه ؛ فأن يكون في الذمّة ، وأن يكون موصوفا ، وأن يكون مقدّرا ، وأن يكون مؤجّلا ، وأن يكون الأجل معلوما ، وأن يكون موجودا عند محل الأجل ، وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم فأن يكون معلوم الجنس ، وأن يكون مقدّرا ، وأن يكون نقدا . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . وهذه الشروط في المذهب المالكي ، وخذها في المذهب الشافعي ، وهي ما يلي : قال أبو شجاع رحمه اللّه تعالى : ويصحّ السّلم حالا ، ومؤجّلا فيما تكامل فيه خمسة شرائط : أن يكون مضبوطا بالصّفة ، وأن يكون جنسا لم يختلط فيه غيره ، ولم تدخله النار لإحالته ، وأن لا يكون معينا ، ولا من معين . ثمّ لصحة المسلم فيه ثمانية شرائط ، وهو أن يصفه بعد ذكر جنسه ، ونوعه